أحمد بن علي القلقشندي
338
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأصحاب الرّواتب ، ومن له في مال اللَّه رزق مقسوم ، وحقّ مجهول أو معلوم ، واستمرار كلّ أمر على ما هو عليه ، حتّى يستخير اللَّه ويتبيّن له ما بين يديه ، فما زاد تأهيله ، زاد تفضيله ، وإلَّا فأمير المؤمنين لا يريد سوى وجه اللَّه ، ولا يحابي أحدا في دين ، ولا يحامي [ عن ] أحد في حقّ ، فإن المحاماة في الحقّ مداجاة على المسلمين ، وكلّ ما هو مستمرّ إلى الآن ، مستقرّ على حكم اللَّه مما فهّمه اللَّه له وفهّمه سليمان ، لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه ، معتبر مستمرّ بما شكر اللَّه على نعمه وهكذا يجازى من شكر ، ولا يكدّر على أحد موردا نزّه اللَّه به نعمه الصافية عن الكدر ، ولا يتأوّل في ذلك متأوّل ولا من فجر النعمة أو كفر ، ولا يتعلَّل متعلَّل فإنّ أمير المؤمنين يعوذ باللَّه ويعيذ أيّامه من الغير ، وأمر أمير المؤمنين - أعلى اللَّه أمره - أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق ، وأن تضرب باسمهما النّقود المتعامل بها على الإطلاق ، ويبتهج بالدعاء لهما عطف الليل والنهار ، ويصرّح منه بما يشرق به وجه الدّرهم والدّينار ، وتباهي به المنابر ودور الضرب ، هاتيك ترفع اسمهما على أسرّة مهودها ، وهذه على أسارير نقودها ، وهذه تقام بسببها الصّلاة ، وتلك تدام بها الصّلات ، وكلاهما تستمال به القلوب ، ولا يلام على ما تعيه الآذان وتوعيه الجيوب ، وما منهما إلَّا من تحدّق بجواره الأحداق ، وتميل إليه الأعناق ، وتبلغ به المقاصد ، ويقوى بهما المعاضد ، وكلاهما أمره مطاع ، من غير نزاع ، وإذا لمعت أزمّة الخطب طار للذّهب شعاع ، ولولاهما ما اجتمع جمع ولا انضمّ ، ولا عرف الأنام بمن تأتمّ ، فالخطب والذهب معناهما واحد ، وبهما يذكر اللَّه قيماء ( 1 ) المساجد ، ولولا الأعمال ، ما بذلت الأموال ، ولولا الأموال ، ما ولَّيت الأعمال ، ولأجل ما بينهما من هذه النّسبة ، قيل إنّ الملك له السّكَّة والخطبة ، وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا الجمع المشهود ما يتناقله كلّ خطيب ، ويتداوله
--> ( 1 ) كذا ضبط في بعض النسخ ، ولعل الصواب : قيّام أو قوّام . حاشية الطبعة الأميرية . وفي لسان العرب ( قوم ) . وقالوا : قيّم المسجد والجامع عند كراع قامة ، وقيّم الأمر : مقيمه وسائسه .